بمبادئِ الأنبياءِ تحيا الأمم

بقلم: السيد كاظم الموسوي

11/10/2019

     بسم الله وبالله والحمد لله والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخليله وأمينه على وحيه وصفوته من خلقه سيد الأنبياء والمرسلين محمد إمام الدعاة إليه بالرأفة والرحمة ، والسلام على آله الهداة الطاهرين الذين جعلهم رحمة للعالمين وعلى صحبه الأبرار المتقين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    من الثابت أنّ الإنسانية منذ نشأتها في هذا الوجود كانت في أمسّ الحاجة للتربية على القيم النبيلة والمبادئ السامية لإصلاح فكرها وتحرير ذاتها من هوى الشيطان، لهذا كرَّمها الله أشرف تكريم وفضلها أحسن تفضيل عن باقي المخلوقات لترتقي سموًا ومكانة وإعلاء شأنٍ ومنزلة، وأن تكون مكلَّفة بالإصلاح والإعمار في الأرض ، وهي حقيقة ثبتت بدليلين واضحين، الدليل الأول وهو البرهان اليقيني الصادق، أما الدليل الثاني هو البرهان العقلي ، قال الله تبارك وتعالى: )ولَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا( “الإسراء آية 70” فالآية الكريمة تدل على تشريف الإنسان وتكريمه دون سائر الخلق.

  البرهان الصادق جاء حين أمر الله ملائكته بالسجود لآدم فسجدوا امتثالًا لأمره سبحانه، إلَّا إبليس الذي أبى واستكبر، فأمر السجود هذا يعطي دلالة بأن الإنسان قد كُرِّم بالعقل الذي يحتل مكانة الشرف والأفضلية وتكون له ميزة يمتاز بها عن سائر المخلوقات ويكون عقله المفتاح لتسخير مظاهر وجوده في هذا الكون وجعلها تحت سلطانه وسيطرته.

    لهذا جاء اللطف الإلهي رأفة وعناية بهذا المخلوق وبمختلف أزمنته أنْ بعث إليه رُسلاً هادين ومبشرين ومنذرين ومن صفوة ما خلق من الناس، فكان لمجيئهم دورٌ مهمٌ  للتقويم ولإثبات الضرورة الملحّة للمصلحة، دور أخذ بالعمل الجاد على تمزيق أغشية الضلال والغواية وتذويب كلّ الأفكار والعادات الجاهلية العالقة بالأذهان من عبادة للأوثان وكلّ ما أُتخذ من دون الله، وتبديد كلّ سحب الجهل الحاجبة لهم، إلى نور الهداية والإيمان، وقد جاء عن الرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) قوله: “في القلبِ نورٌ لا يُضيئُ إلّا من اتِّباعِ الحقِّ وقصدِ السبيلِ، وهو نورٌ من المرسلين الأنبياء ، مُودعٌ في قُلوبِ المؤمنين”.

    فكان آخر أولئك الرسل والأنبياء هو الخاتم محمد (صلى الله عليه وآله) الذي زكَّى بمجيئه المبارك الأمة الإسلامية وطَّهرها، حتى أصبحت بفكرها أوعية صافية نورانية، ولّدت من أصلابها أجيالًا واعية واعدة حملت على عاتقها حركة التغيير لمسلك الحياة، فكانت بعثة سارت بنورها المحمدي كمبدأ ميثاق هداية للفطرة السليمة وللطاقة الخَيِّرة بكل غريزة طيِّبة مودعة في الوجدان، مبدأ كان هو الأقصر والأيسر طريقًا للولوج في النفس الإنسانية.

    نعم أصبح هذا النور هو الهادي والطريق السليم والأنسب في الكشف المبدئي عن مواطن وبؤر التلوث والفساد العالق بالنفوسِ بهدف الغربلة وإيجاد الحلول الناجعة، حتى صار منهجًا قويمًا وصراطًا مستقيمًا يسير عليه عموم المصلحين والمرشدين الأجلاء الناصحين، أصبح دستورًا ناصعًا لما فيه من دروس أسَّست لرسم المناهج والخطط التي تساعد على الهداية والتقويم لكل الكيانات البشرية.

   فإذا كان الإنسان بهذا التشريف الإلهي فإنّ من اللازم معرفة الله وممارسة التعبَّد له والذي بمعناه يُمكِّنُ الإيمانَ في القلب ويُرسِّخ جذوره في أعماق النفس، كي تُثمر لديه حالة من تفجير طاقة إيمانية تجعله ينبعث نحو سبيل الخير والصَّلاح وينصرف عن مكامن الشَّر والآثام، لقول الحق تبارك وتعالى: )وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ( “الحجرات آية – 7” وهذا ثابت من خلال قوله: (صلى الله عليه وآله) “إِكْلَفُوا من العمَل ما تطيقون” فباب الدخول في الإيمان واسع وكبير، ولكنَّ عمل الإنسان هو معيار التَّـمايز من خلال إخلاصه وصدقه ووفائه وقوّته في تحقيق الإيمانِ بالله تعالى وصدقِ التوكل عليه.

    لهذا ميَّز الله المتقين الراشدين وجعلهم أولياءه وأحباءه فكلأهم برعايته وأفاض عليهم من نوره ليدركوا الحقَّ من الباطل عاملين للصواب مميزين ما بين ما يجب فعله وترك ما يجب تركه، ومن هذا المنهج يبقى أنَّ اتَّـباعَ الحقِّ وممارسته هو النبع العذب الذي ترتوي منه الأمة لخلق جوٍّ من الفقه التشريعي يكون لها حافظًا من كل الدسائس، جوّ من الآداب يساعدها على  البحث الصحيح المخلص لتقي نفسها من كلِّ إعصار يعتريها، وأنْ تتوفر لديها كلُّ الأفهام الذكية والآداب الكريمة بأساليبها العالية لتبتعد عن أيِّ استغفال يطمس مشاعرها ويعيق مواهب حياتها، لأن سرَّ البقاء يكمن في توحيد الكلمة. فائتلاف القلوب والمشاعر واتحاد الغايات من أوضح التعاليم والوصايا الرَّبانية، لهذا التزم بها المخلصون وكانت لهم بابًا لتوطيد وشائج المحبَّة.

     وحتى تتبوأ الإنسانية مكانتها وأهميتها وتصل لغايتها يلزم أنْ تنهل من معين دستورها الإلهي الخالد الذي لا يعتريه التغيير ولا التبديل أو يتطرق إليه التحريف أو التزييف بضمان القول القرآني )إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ( “الحجر- آية 9” فهل هناك توصية أبلغ للبحث لاتِّـباع الحقِّ والسير خلفه ووضع الرقابة المُحكمة على السمع والبصر والفؤاد لإيجاد مجتمع واعٍ متراصٍ تفيض منه أنوار المعرفة والحكمة، حيث أنَّ الحياة الإنسانية ما شُرفت وبلغت رشدها ونمت قِواها  لتكون أزكى وأرقى إدراكًا إلا حين صادقت على تكوين معارفها الراشدة واتَّـباع أهل الألباب الحصيفة، فكان لها تطورًا ونموًا في حياتها، ولو أنها طمست مشاعرها وأماتت مواهب فكرها لأصبحت كما قال الله سبحانه في قوله الحكيم )مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ۚ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُون( “البقرة آية – 171”.

      نسأل الله حسن التوفيق لكل ساعٍ يسعى لإثبات وإنجاح النهج المحمدي النوراني كي يصلح ويعين هذه الأمة وأن يرسم بسمة البهجة والأمل في قلوبها، والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين وصحبه الأخيار المتقين.

مشاركة الموضوع