user40404_pic5996_1237037045

العطاءُ في اللهِ نورٌ للقلبِ
وارتياحٌ للنفس

بقلم: السيد كاظم الموسوي

7/6/2016

     الحمد لله اعترافًا بالنعمة وطلبًا للزلفى الحمد لله الذي لا ينقطع عطاؤه ، ولا يتضعضع ركنه ، الحمد لله واسع الحول الذي لا يضيق صاحب المنّة التي لا تنفد ولا تنقطع ، حمدًا يحقق السؤل والرضى ويوفر التوفيق والهدى ، والصلاة والسلام على عبده المصطفى الذي أنار للعالمين طريق الهدى محمد وعلى آله الطيبين الأطهار الأمناء على وحيه المبين ، وعلى صحبه الأخيار المتقين.

    لقد خلق الله الإنسان وأعطاه حرية القرار لنفسه إما أن يُسعدها بالخير أو يُشقيها بالشرِّ ، والخير هو في ما ينفعه وينفع به مجتمعه في الدنيا ويُرضي به ربَّه في يوم آخرته ، والشرُّ هو ما يؤذيه ويضرُّه في حياته ويُغضب به ربَّه في يوم آخرته ، هكذا شأن الإنسان إما نفعًا وإما ضُرًّا )وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ( “البلد آية – 0 1” إما أن يتّجه نحو سبيل الخير وهو الشكر لله وإما نحو سبيل الشرِّ وهو الكفر بالله.

    الإنسان بالعمل الصالح والمسلك الصحيح في الحياة يكون مؤهلًا للقرب من الله ، فالإسلام حين حثَّ الإنسانَ على فعل الخير إنما ليضعه في المرتبة التي تقويه وتأخذ بيده نحو الهداية وكمال الإيمان وتبعده عن نزعات الهوى ورغبات الشيطان ، الإنسان أمام هذا القرار أمام طريقين إمّا طريق الهدى والخير ، وإمّا طريق الضلال والشرِّ أي إمّا مؤمنًا شاكرًا وإمّا جاحدًا كفورًا )إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُوراً( ” الإنسان آية 3″ .

    هكذا يكون الإنسان إمّا أن يتحلى بالذوق الجمالي المتفوق الذي يرفع من قدره وقيمته ويلبي بميوله الجمالي حاجيات الناس وقضاء مآربهم ، وإمّا أن يكون متحليًا بالذوق المتعالي والكبر الذي يؤدي إلىالغرور والترفع على الناس ، هكذا يكون الإنسان إما أن يكون متصفًا بقيم الكرم والجود ، وإما أن يكون متصفًا بقيم البخل والشحِّ ، لقول الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم) “الناس رجلان بَرَّ تقي كريم على الله عزّ وجلّ وفاجر شقيٌّ هيِّن على الله عزّ وجلّ.

    هكذا بنى الإسلام نظامه وأسَّس بنيانه ، فلن تجد فيه نظاما أصلح مما رسمه وحدّده باني ومؤسس قواعده وهو الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن بعده أهل بيته الطاهرون وصحبه الأبرار ومن اتبعهم من بعدهم المؤمنون الصالحون الأخيار الذين غرسوا شجرة الحبّ والارتباط بين الناس واقتلعوا شجرة الكراهية والانفصال ، بهذه الخُلق بنى الإسلام نظامه ففجَّر الخير ونمَّى الإحسان بين الناس الذي تشعُّ منه روح الرحمة ونداوة الطبع وقوة الاحساس القادر على تقديم العطاء رغبة للارتقاء بالحياة الإنسانية إلى أرحب وأوسع الأفق واسماها بدلًا عن غرس جذور الحقد والعداء المبني على أساس التقسيم.


فالإنسان في هذا الوجود خلقه الله بين جسم وروح وجعل حياته ما بين بينين ما بين متعة الادراك واليقين الممزوج بالإيمان ، ومتعة العطاء في الله والرفد المعنوي لقوله تعالى:
)مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُون( ” النحل آية – 97″ فبالعمل الصالح وتقديم العطاء تُبنى الحياة الإنسانية سعيدة مرفّهة ومنعّمة.


وللناس بإزاء هذا الشأن مواقف مختلفة منهم من يقدم العطاء بنية التقرّب إلى الله ومنهم من يقدمه لغاية شخصيّة
، ولكن من يقتدي آثار أهل البيت (عليهم السلام) ويستضيء بأنوارهم ويجعل قيمة عطائه هو منهاج النجاة والهداية يكون في مقام التقدير والإجلال ، قيل: جاء شخص معروف بالإحسان الى الناس فرحًا مسرورًا الى الإمام الجواد (عليه السلام) فقال لـه الإمام ، أراك مسروراً؟ قال الرجل: يا ابن رسول الله ،  سمعت أباك الرضا (عليه السلام) يقول: إنَّ يوم الفرح والسرور هو اليوم الذي تقضي فيه حاجات إخوانك واليوم راجعني أصحاب حاجات مختلفة فقضيت حاجاتهم بإذن الله ، لذلك أنا مسرور ، فقال له الإمام الجواد (ع): بنفسي جدير بك أن تفرح بشرط أن لا تضيع أعمالك ولا تبطلها ثم تلى قوله تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى( “البقرة آية – 264”.

    العطاء في الله له الأثر العظيم الذي يفجِّر الطاقات ويفتح الآفاق لبناء التنمية الاجتماعية ، ويكون الإنسان بعطائه محترمًا ومُوقُّرًا بين أفراد مجتمعه ، العطاء في الله له لذّة خاصَّة في النّفس ، العطاء في الله حركة روحانية خالصة تتملك الوجدان الإنساني ، فحين يستقرّ العطاء الصادق مع الله لا بدَّ وأن يستقرَّ المردود النفعي على النفس فتتولد هناك حالة من البهجة المسرَّة والارتياح ، لأنَّ الانغماس في فعل الخير والبذل الخالص في الله من آثاره أنَّه يقي النفس همومها ويُسهّل درب حياتها.


من متعة العطاء على النفس فتح الباب الإلهي وإبقائه مطروقًا ، ومع حلول الشهر الكريم (شهر رمضان المبارك) شهر التوبة والمغفرة والبركة ، شهر يمثل التغيير الكبير في حياة الفرد والمجتمع فعلى المرء وهو يعيش لذة هذا الشهر العظيم وإدراك حقيقة العطاء والبذل فيه ، لا بد من استيعاب توفير فُرص التقرب الى الله  فيه أكثر ، وقبول الأعمال وارتفاعها الى الله سبحانه أكثر مما في غيره من الشهور ، عليه وهو يعيش لذة هذا الشهر العظيم أن لا تحجبه أهواء النّفس الأمّارة بالسوء ورغباتها المتغيّرة عن التفكر في سبيل نجاته بتتبّع الشهوات ، حيث أن شهر رمضان هو سلًم التعالي على الشهوات والنزوات ، وهو شهر التقوى والسبيل المؤدي إلى التوبة والخلاص من موبقات النفس
)وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ(  ” الحشر آية – 18″.

    على المرء أن ينظر ويتدبّر في كل عمل ينفعه ليوم آخرته ويعمل من أجله ، فلا يقتصر هذا الفهم في العطاء المالي فحسب ، وإنما يتعدى إلى ما هو أقوى وأشدّ وهو قوة التجانس والارتباط الإنساني السّامي ، والذي نحن اليوم مطالبون بتعزيزه ، وجعل متعة العطاء في سبيل الله دافعًا وسبيلًا للتسامح وللإخاء والمحبّة والرحمة ، سبيلًا لالتقاط الأنفاس بروح من قيم النور والمحبة والاحترام ، النابع من مصدر العقل الواعي والضمير اليقظ الملازم للتشريع الإلهي ، بعيدًا عن الابتذال والاستهانة واظهار القوة ، نعم علينا أن نتأمل مسيرة أمتنا بفهم واسع وشامل لإدخال الخير على الآخرين وبقيم العفو والتسامح والرحمة من خلال بركة هذا الشهر الكريم ، لأن الروح المتعطشة للعطاء والبذل لا بدّ وأن تكون سلائقها حسنة ونافعة ، لتكون بهذه السليقة مصانة ومحتجزة عن الوقوع في أيِّ عملٍ يُغضب الله بسببه.

    العطاء في الله بكل معني العطاء هو نورٌ للقلب وارتياحٌ للنفس )فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا” الكهف آية – 110″ العطاء بجميع مناحيه هو سمة الإنسان المؤمن ، فمن يُعطي ويقدّم ويعفو ويسامح لا بدَّ وأن يُجازى بالجزاء الأوفى ويكون من أهل الآخرة.

    واستكمالًا للنظرة المتقدمة التي أوجب الإسلام من خلالها وأبدى الاهتمام الخاص بها فأيّ مال يُنفق برًا ومعروفًا يبقى ذُخرًا لنفس الإنسان ورصيدًا ليوم آخرته ، وببعدٍ أعمق جاء الإسلام ليعزز مكانة هذه القيمة لتكون مدرسةٌ لتقوية الإيمان وتهذيب الخُلُق ، ولتعطي الدرس المستوعب لأجل الارتباط البشري ووجوده ووثوق مبتغى ارتباطه بالعلاقة الإلهية ، وبقدر عمل الإنسان الصالح يكون العطاء فيه أجزل ، فما أجمل أن يتصف الإنسان بأفضل القيم وبحبّ الخير للآخرين ، لأن العطاء الصادق لله لا يحدّه حدٌّ ولا يقيّده شرط ، فأجود الناس ما جادت به نفسه ، فأعطِ لمن تحبّ ولمن لا تحبّ مستعينًا بالله ، فستجد الخير يتدفّق من حولك ، وهذا من كرم الله عليك ، هكذا يكون أجر أهل العطاء الذين لا يعرفون البخل ولا الشحّ ، الذين إذا أعطت أنفسهم أحسوا بالارتياح ونالوا أضعاف ما منحوا، العطاء في الله هو مدخل الأمل والإحساس في النفس ، وهو من يصنعالحبّ والرحمة والمودة بين الناس.

    نسأل الله أن يبقى هذا النور مضيئًا دون انطماس وأن يجعلنا من خلاله من روّاد العطاء ومن أصحاب اليد الممدودة المسجلين في عداد المنفقين في الله ، من الذين يتمتعون بفيضه ومدده الذي لا ينتهي ولا يتقطّع وأن نكون من المخصوصين بقوله تبارك وتعالى: )فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره( اللهم ونسألك الهدى والغنى ، والقُرب إليك بحسن العمل الصالح ، واجعل عطاءنا فيك تقربًا لرضاك وابتعادًا عن سخطك ، وأن ترزقنا في شهرك هذا الصيام والقيام ، وتجعلنا فيه من المرحومين ولا تجعلنا من المحرومين ، يا رب العالمين ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مشاركة الموضوع