زهد

بقلم:
السيد كاظم الموسوي

21/5/2016

    الحمد لله الذي قنطت الأنظار عن التعمق في معمقات جبروته ، وعُقلت العقول عن التوغل في معرفة أسرار مواهبه ، الحمد لله الذي اختطف خواطف الأبصار عن التغلغل في حقيقة ألوهيته ، وانقطعت اللغات عن تحبير مقدسات أوصافه ، الحمد لله الذي يضاعف الحسنات ويغفر السيئات، والصلاة والسلام على رسوله الأكرم محمد الذي بيَّن للعباد أحكام الشريعة ودلّ على مناهج التقرب بنور الهدى وعلى آله الطاهرين أنوار الدجى وعلى صحبه القوَّامين بالزهد والتقوى.


إنّ في الحياة وسائل تُعدُ من الأسباب التي ترفع من قدر الإنسان ، وينال بها الإنسان أعلى المراتب في الحياة والتي منها الزهد ، حيث
أنه من كمال النفس ، وهو رتبة عزيزة ، فمتى ما ارتقى الإنسان إلى مرتبة الزهد فقد نال أسمى مراتب التواضع والتقوى ، وتحلى بأجمل المناقب التي تؤهله أن يكون في أعلى مصَّاف الأولياء ، فالزهد شعور نفسي وهو من أعلى مراتب الإيمان وأفضل درجات الإحسان.

    والزهد تعريفًا هو ليس الكفّ عن المحارم والتحرّج منها فحسب ، بل هو بالمعنى الأدق الكفّ عن كبرياء النفس إلى جانب نهيها عن شهوات الدنيا وملذاتها ، هو الكفّ عن الكثير من شهوات النفس ومغرياتها وكذلك الانقباض عن المشبوهات خشية الوقوع في الحرام ، الزهد هو ترك ما يريب النفس والابتعاد بها عن ما يعيبها ، والأخذ بالأوثق وحملها على الأشق ، الزهد هو شرط في محبّة الله ، كما ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله: “إذا أردت أن يحبّك الله ازهد في الدنيا” وكما ورد عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) “أَزهَد النّاس من تَركَ الحَرام”.

    ومن مصاديق الزهد الاستعانة بالأخلاق لقول مولانا الإمام علي (عليه السلام): “إن من أعون الأخلاق على الدين الزهد في الدنيا” وقوله (عليه السلام): “إن علامة الراغب في ثواب الآخرة زهده في عاجل زهرة الدنيا”.

    الزهد هو تطهير النفس عن كلّ دنس علق بها ، كما يطهر الماء دنس الثوب من نجاسته ، وهو صون النفس وحفظها وحمايتها عمّا يشينها ويعيبها ويزري بها عند الله سبحانه وعند المؤمنين، فإنّ من كرمت عليه نفسه صانها وحماها وزكّاها وعلّاها، ومن هانت عليه نفسه وصغرت عنده ، ألقاها في محطات الرذائل.

    الزهد في الدنيا مقام شريف من مقامات العلماء والعارفين والسالكين لطريق الإيمان ، حيث أن الله تبارك وتعالى وصفه بأنه أشرف وأفضل أعمال الإنسان ، إلا من هانت عليه نفسه )مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ( “الشورى آية – 20”.

    الزهد هو ترك عموم المباحات التي ترغب فيها النفس وتتطلع إليها وتشتهيها ولا يبقى لها إلا ما أراده الله لها )مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُون( “النحل آية – 96” أي ما عند الإنسان من حطام الدنيا فهو زائل ولا يبقى له إلا ثواب عمله وفاءً من الله على ما تحمّله من مشّاق التكاليف وزهده في الدنيا )أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون( “القصص آية 54” هكذا يؤتي الله أهل الزهد الذين لا يشغلون أنفسهم إلا بالإيمان والعبادة ، وهو من خير ما يقود العبد إلى الله ويُقرب إليه.

    وهناك صنف من البشر قد يجانبه ذلك فيرغبُ في متاع الدنيا الفانية ويتعلّق بها ولا يزال حتى يوقعه الشيطان في حبائله ومكره فيزيّن له عملَه ويُعظّم ذلك في نفسه فيُبتلى بداء العُجب و الرياء وهاتان الصفتان تمثلان في مضمونهما الزهو بالنفس واستعظام الأعمال والركون إليهما، فالعجب بالنفس والرياء في العمل من الآفات الخطيرة التي يُصاب بها الكثير من الناس ، فينصرفون بها عن الشكر لله والثناء عليه ، إلى شكر أنفسهم سواء كانوا أهلًا له أم هم في غير
محله.

    وقد تطغى آفة العُجب بالإنسان حتى يصل به الأمر إلى درجة الكفر – والعياذ بالله – والخروج من ملّة الإسلام ، كما هو حال إبليس اللعين الذي أعجب بنفسه وبأصل تكوينه وبعبادته ، حتى دفعه ذلك إلى الكبر والعصيان لله تبارك وتعالى وامتناعه عن أمر بالسجود لآدم (عليه السلام) )قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ( “ص آية – 76” وبهذا العُجب كان معارضًا لأمر الله ، حتى أخرجه الله منها مرجومًا مدحورًا ، فالعُجب يحبط بصاحبه وبأعماله الصالحة ، ويخفي محاسنه، ويكسبه المذام ، كما أنه يطفئ من المحاسن ما انتشر، ويسلب من الفضائل ما اشتهر، ناهيك عن السيئات التي تحبط من الأعمال الصالحة وتهدم كل فضيلة يقوم بها العبد.

    ولتعميق هذا الفهم نورد هذه القصة التي تحمل التعبير التام للزهد والتقوى: قيل كان الشيخ عباس القمي رحمه الله ذا ورع شديد وإخلاص لله عزَّ وجلَّ، وقد تجلى ذلك في سيرته ومواقفه. منها: حيث أنه استجاب لطلب المؤمنين لإقامة صلاة الجماعة في مسجد “كوهرشاد” بمدينة مشهد المقدسة، وفي أحد الأيام وبعد إتمام صلاة الظهر قال لمن حوله لا أستطيع أن أصلي العصر وخرج وعطَّل الجماعة إلى آخر الشهر “وكان ذلك في شهر رمضان المبارك”.

    فلما سُئَل عن السبب قال كنت في الركعة الرابعة فسمعت صوتًا ينادي من بعيد “يا الله ، إن الله مع الصابرين” يُريد أن أصبر حتى يتمكن من الدخول في صلاة الجماعة فدخلني السرور لكثرة المأمومين، فأدركت أني لست أهلًا لإمامة الجماعة، لأن من شروطها عدم العجب الذي هو أساس الرياء، وكان قدس سرّه الشريف يتميّز بتواضعه الخاص لأهل العلم ورواة الحديث ولا يفضّل نفسه على غيره.

    ففي أحد الأيام كان الشيخ على المنبر فدخل مجلسه الملا عباس تربتي وهو أحد العلماء الأبرار من مدينة تربت حيدرية القريبة من مدينة مشهد المقدسة، وجلس في إحدى الزوايا ولما التفت الشيخ إليه خاطب الحاضرين، أن الحاج الشيخ تربتي حاضرًا فاستفيدوا منه، ثم نزل من على المنبر وطلب منه أن يرتقي المنبر بدلاً عنه حتى آخر شهر رمضان المبارك.

    هكذا يصنع الزهد في من يدركه ويُجلّه ، فطوبى لمن زهِد وحصّن نفسه بالتقوى ، لأن الزهد خُلق عظيم ومرتبة رفيعة لا يناله إلا ذو حظٍّ عظيم ، فلا يزهد في الأمور إلاّ من زوّده الله بسلاح العقل والعلم والحكمة ، إذ لا يمكن أن يبلغ الإنسان حقيقة الزهد والتواضع من دون سابقة في علم وكمال في حكمة ، أي الإدراك بأن الشريعة الإسلامية مبناها ومبتغاها الأسمى تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإلاّ من لم يوازن بين المصلحة والمفسدة فقد ابتعد عن هذا المفهوم الأخلاقي العظيم.

    ويكفي في الزهد الاقتداء بالرسول الأعظم (صلي الله عليه وآله وسلم) وبأهل بيته الطاهرين الكرام إذ هو من أجلّ وأتمّ هذا المضمون الذي يغرس في القلب القناعة والراحة النفسية ، فكلما افتقرت نفس الإنسان وطواها بالصبر عن الهوى أمتعها بالزهد وبالتقرب إلى الله مراقبة للعواقب ، إذ يقول الحق تبارك وتعالى: )قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(آل عمران آية – 31″ هذه هي الحاكمية على المحبّة لله من خلال زهد الإنسان وتقربه إليه ، ومراقبته للعواقب ، يقول الإمام علي (عليه السلام) “من راقب العواقب سلم من النوائب.

    الزهد أمر عيني فإن قويت النفس عن الشبهة التحق بصفات الكمال  ، وإن ضعفت وقعت في وحول الهوى وأسفل الحظوظ ، فهناك من يعيش الإدراك حاملًا للحسّ المعرفي الأخلاقي الرفيع ، وهناك من لا يدرك لهذه الحياة إلا ما تقيده رغباته النفسية ويعيش حالة ألاّ وعي وألاّ إدراك باحثًا عن سرور النفس وملذاتها ويتحرك وفق ما يحلو له )أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا“فاطر آية – 8” فالتزين بسوء العمل يوصل بالإنسان إلى الإعجاب ثم الوقوع بالنفس في المعصية بأسوأ الجزاء )قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناًنعم هكذا هي نتيجة التساهل والسير في طريق الهوى ومجانبة طريق الله ، تكون النتيجة أن لا يُثمّن لها وزن ولا يُقيم لها أي اعتبار.

    نسأل الله الذي تعالى عما يصفه الواصفون أن يُبلغنا الغاية التي يريدها منا بالخير والصلاح لجني ثمار الدنيا الطيبة وبذل ما نستطيع بذله ، لأن الغايات والأهداف السامية لا تُمنح من دون ثمن ولا تُدرك بغير جد ، اللهم اجعلنا مع أهل الزهد والتقوى ، وابعدنا عن أهل الشر والبداءة والفسوق ، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه الصدّيقين ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مشاركة الموضوع