رحمــاءُ بينَهــم

1331633459_168849

  بقلم: السيد كاظم الموسوي

7/3/2016


الحمدُ لله الذي أحسن تدبير الكائنات ، خالق الأرضين والسماوات ، ومنزل منالسماء الماء الفرات ، فأنبت به الحبَّ والنبات ، الحمدُ لله مقدِّر الأرزاق والأقوات ، والمعين على الأعمال بالطاعات وواهب الحياة لسائر المخلوقات الذي تسامىعن مشابهة المخلوقات وتعالى عن مجانسة الموصوفات وأفضل الصلاة والسلام على سيِّدالنبيِّين وأفضل المرسلين ، ومن خُتمت برسالته الرسالات ، وظهرت ببعثته أزكى البركات محمد وعلى آله الطاهرين الأئمة الأطايب ، وأمناء الخلق على المطالب
وعلى صحبه المنتجبين أهل الفخر وأشرف المراتب.

    إنَّ الإسلام نظام اجتماعيٌّ حيث يُراعي حقوق الناس ويُلبي حاجاتهم من جميع أوجه الحياة ، حتى أصبح أساسًا لتقويم وإصلاح مدارك الأمة في حياتها الاجتماعية ، لذا جُعلت الرحمة بين الناس كمالًا في السليقة المعيشية لتخفيف الآلام وتهدئة النفس كي تسير الأمة نحو الهداية والتنظيم ، لأن تبلّد الحسّ العاطفي والحسّ الخُلقي يهوي بها إلى منزلق الهبوط ويسلب منها أفضل القيم ، فلو نظرنا لهذا المفهوم لوجدنا أنَّ كلَّ إنسان في هذا الوجود له صفات ومزايا ، إلا أنها قد تقلُّ عند البعض وتكثر لدى البعض الآخر، ومن هذه الصفات الإحساس والشعور بالآخرين ، والتي هي نعمة عظيمة ومنَّة كريمة ، ومنحة ربانيّة ينعم الله عزَّ وجلَّ بها على من يشاء من عباده ، فالشعور باﻵخرين ليس مجرد إحساس وإنما هو فهم ورحمة وعطاء وحكمة ، كما قال رسول الرحمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) “وأن الله في عون العبد، ما دام العبد في عون أخيه” وفي حديث آخر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم ، مثل الجسد ، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”.

    فالمسلمون ليسوا أمة في أنفسهم فحسب ، وإنما هم أمة في أوساط الأمم ، وهنا يتسع المدرك الاجتماعي من ناحية المدار الخاص إلى المدار الاجتماعي العام لقوله تعالى: )وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً( ” البقرة آية – 143″ فهذا التبليغ القرآني يُعطي الفهم أنَّ الأمَّة هي الأمَّة الخيِّرة في جميع مناهجها من ناحية السلوك والتصرف . من هذا التبليغ القرآني جاء الإسلام ليدعو إلى التقوى والصلاح وإلى التمسك بالإيمان الذي إذا تمكَّن في النَّفس ورُسخّت جذوره أثمر حالة من الطاقة الإيمانية الكامنة لدى الإنسان والتي وهبها الله إياها ، فينطلق نحو سبيل الخير وينصرف عن مكامن الشَّر ، ومن هذه الفضائل والنعم على الإنسان نعمة الرحمة والتي تُعتبر من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده الأساسية. 

    فالرحمة هي خُلق من أخلاق المسلم ، وهي صفاء النّفس وطهارة الروح ، والإنسان المسلم بمعاملته الحسنة مع الناس ، وابتعاده عن الشّر ، يكون دائمًا في نفس طيبة وروح طاهرة  ، والرحمة في أفقها الأعلى وامتدادها المطلق صفة من صفات الله تبارك وتعالى والتي شملت الوجود وعمّت الملكوت فأشرق من هذا الشعاع الرباني كلُّ شعاع الرحمة الغامرة )وَرَحْمَتِيوَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ( “الاعراف آية – 156″.

    وقد تجسَّد هذا البُعد الأخلاقي لدى الرجل الأول في هذه الأمة وهو رسولها الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي أحسّ بمن حوله ، فرحم الصغير ، وقدّر الكبير، وأغاث الملهوف ، ونصر المظلوم ، وزار المريض ، وعزّى المصاب ، حتى تعدى هذا الإحساس عنده إلى غير المخلوق الإنساني فأمر بإطلاق سراح الطير ، والرفق بالحيوان حين عاتب صاحبالبعير بالرفق به ، وقد جاء في  حديثه الشريف: “ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء” وفي حديث آخر أنه قال: “من لا يرحم لا يُرحم.

    الرحمة هي الرقّة والعطف والمغفرة فعندما تجفُّ من داخل النّفس الإنسانية عاطفة الإحساس والشعور بالآخرين وتنعدم من القلوب مشاعر الرحمة وكلُّ فيوضات العطاء ، عندما تجفًّ من أغوارها روح العاطفة تصبح القلوب كالحجارة بل أشدُّ قسوة منها فلا تَرشح بأي عطاء ، ولكن عندما تلين القلوبيندفع من باطنها فيض العطاء ، ولا تُنزع الرحمة إلا من الإنسان البائس وهو ما ورد في الحديث النبوي الشريف “لا تنزع الرحمة إلا من شقي”.

    الرحمة هي الرقَّة والعطف والمغفرة والإنسان المسلم الحق لا بدَّ وأن يكون رحيم القلب ، يغيث الملهوف ، ويصنع المعروف ، ويعاون المحتاجين ويؤازرهم ، ويعطف على الفقراء والمحرومين، ويمسح دموع اليتامى ويحسن إليهم ، ويدخل السرور عليهم، وفي قول للرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله سلم) “جعل الله الرحمة مائة جزءٍ ، فأمسك تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا ، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه”.

    يقول العلامة السيد محمد حسين الطهراني: قال لي أحد أصدقائي من النجفيين: يقول: “ذهبت يومًا إلى دكان بائع الخضار فرأيت السيد علي القاضي يشتري خسّا، ولكنه على خلاف عادة الناس كان ينتقي الخسّ الذابل وذو الأوراق الخشنة ، فوزن البائع الخسّ ، ونقده السيد الثمن وحمل الخسّ تحت عباءته وذهب ، وكنت آنذاك طالبًا في أوائل شبابي والسيد القاضي رجل مسنٌّ.

    فلحقته وسألته عن علّة فعله هذا؟ فأجابني بأن هذا الكاسب رجل فقير وأنا أساعده أحيانًا، ولا أريد أن أعطيه شيئًا بلا مقابل لئلا يخجل ويذهب ماء وجهه العزيز ، وحتى لا يألف أن يأخذ مجانًا وبلا مقابل فتقلُّ همَّته للتكسب والعمل ، ونحن لا فرق عندنا بين أن نأكل الخسّ الجيد أو الرديء، وأنا أعلم أنه سيلقي هذا الخسّ في المزبلة بعد الظهر لأنه لا يقبل  أحد أن يشتريه منه”.

    ومن أبرز مصاديق الرحمة وأبرز الأخلاق هي ما ورد من وصف في القرآن الكريم بحقّ الرسول (صلى الله عليه وآله سلم) )لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ( “التوبة آية – 128” أي رسولًا حريصًا على إيمانكم وصلاح شأنكم يمتلك من الرحمة والرأفة ويشق على نفسه دونكم ما تلقون من المكروه ، والتي لولاها  لانصرف الناس من حوله ، قال الله سبحانه وتعالى: )فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ( “آل عمران آية – 159.

    فعلى الإنسان المسلم أن يرحم نفسه ، بأن يحميها مما يضرّها في الدنيا والآخرة ،  بالابتعاد عن المعاصي ، والتقرب إلى الله بالطاعات ، خاصَّة من يحمل الإسلام دينًا ومنهاجًا أن يرطب قلبه بالرحمة قولًا وفعلًا بتلمس مشاعر الآخرين وقضاء احتياجهم وخاصَّة الفقراء منهم للتخفيف من معاناتهم ، والرفق باليتيم بالمسح على رأسه وكذلك عيادة المريض والجلوس عنده للتخفيف من آلامه، فما أروع الحياة إذا مُلئت بالعطف والرحمة بين الناس، ما أروع الحياة  إذا ترطبت بالبهجة والابتسامة لإعادة بريق الإحساس ولربط جسور التواصل.

    نعم عندما تُبنى هذه القاعدة البناء الديني الصحيح تُشعر الإنسان بالارتياح والراحة النفسية والجسدية سواء داخل مجتمعه أو خارجه مع المسلم وغير المسلم ، عندما تُبنى هذه القاعدة بناءًا دينيًا يحقُّ لنا أن نقول أننا طبقنا المفهوم الرسالي المحمدي بتلمّس وفهم حاجات الناس والتماس شعورهم وما يدور بدواخلهم ، عندها يحقُّ لنا أن نفتخرَ بأننا من أتباع صاحب هذا الدين العظيم ، ولكن عندما تقسوا القلوب ويجفُّ من أغوارها أثار الفيض والعطاء يصبح الإنسان وكأنما لا وجود له في هذا الوجود.

    عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: “إن الله تبارك وتعالى جعل الرحمة في قلوب رحماء خلقه، فاطلبوا الحوائج منهم، ولا تطلبوها من القاسية قلوبهم، فإن الله تبارك وتعالى أحلَّ غضبه بهم” فالمرء بقوة الوعي والإرادة يستطيع أن يبني جسور الألفة وأن تكون له البصمة الخاصة في كل عمل وحركة يتبناها ويقوم بها ، وهذا بالمعنى الأعم إذا أراد الخلاص من ربقة القسوة فعليه أن يعيش أعطاف الرحمة وصورها التي وضعها الله في قلبه ، يعيش العلاقات التي يسودها الرفق للمحافظة على تماسك بنيان المجتمع المسلم بصفاء الأجواء ، لقول الرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه
وآله وسلّم) 
“ما كان الرفق في شيء إلازانه ، ولا نُزع من شيء إلا شانه” على المرء أن يعيش بما أفاض به الوجدان العاطفي وأقره العقل وسكب عليه القلب من صبغة الخلود.

    هكذا جاءت تعاليم الإسلام وسيرته المقدسة لتعلّم البشرية كلَّ الأفكار والمشاعر والحركات والسكنات ، نسأل الله العليّ العظيم أن يجعلنا ممن يزرعون الخير في الدنيا ويحصدونه في الآخرة ، وأن يجعلنا من أهل الرشاد والهداية ، ويلهمنا الصواب في الحكمة ويجعلنا من أهل الرحمة لننال خير الدنيا والآخرة ، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على إمام الأمة وقائدها محمد وعلى آله المعصومين الطاهرين وصحبه الصالحين المبرورين.

مشاركة الموضوع