تعريف_العبادة

بقلم:
السيد كاظم الموسوي

21/01/2016

    الحمد لله الذي وسعت رحمته كلَّ شيء ، وأحاطت قدرته بكلِّ شيء ، العالم بخفايا كلِّ شيء، الذي أحصى كلَّ شيء عددا ، وأحاط بكلِّ شيء علما ، والصلاة والسلام على عبده ورسوله المصطفى ، رسول الهداية ، ومعلّم الكتاب والحكمة ، ومخرج الأنام من حنادس الظلمة ، محمد صلى الله عليه وعلى آله البدور المنيرة ، والأقمار الباهرة وعلى صحبه البررة ، صلاة لا عدد لها ولا نهاية لأمدها.

عبادة الله هي جوهرالوجود الإنسانيّ، وهي أقصى غاية كلِّ موجود على هذا الكوكب، وهي لا تقتصر في مفهومها على المعنى الخاص فقط والذي يصل للذهن ، أو يضيق نطاقها حتى تكون محصورة بأنواع الطقوس والشعائر الخاصَّة التي يؤديها الإنسان المكلَّف، إنَّ حقيقة العبادة لله تتكون من مفهومين واضحين أحدهما عامٌّ والآخر خاصٌّ ، فالأوَّل هو عينيٌّ وجوبيٌّ ، والآخر نفعيٌّ إنسانيٌّ.

   والكلام هنا يدور حول العبادة العينيّة والتي هي في شريعة الإسلام وفي كلِّ الشرائع والأديان السماوية الأخرى لها شأنٌ عظيم من بين الفرائض والواجبات الأخرى، والذي يؤكده الإقرار الكامل بالقلب والجوارح ويحمل معنى الخضوع الخاص الذي يطغى على كلِّ خضوعٍ مطلقٍ ويبدد كلَّ وجودٍ زائل، وقد حدَّد القرآن الكريم هذه الغاية من دون أيِّ تمييز أو تفريق بين كلٍّ من الأنس والجنِّ أو ما بين الجماد والحياة ، فما من موجود في هذا الكون إلا ويُسبِّح بحمد الله ويُظهر التقديس والخضوع له، لقوله تبارك وتعالى: )وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ(” الذاريات آية – 56″ أي ما خُلقت المخلوقات من جنٍّ وأنسٍ إلا لغاية سامية وهي العبادة لله وحده دون سواه ومن دون إرادة من رزق أو احتياج لهم بل هو صاحب الفضل والإنعام عليهم.

    وما الإضلال عن هذه الغاية رغم دقَّة سموِّها إلا نتيجة ضعف الوعي واليقظة وقلَّة القدر المطلوب لمفهومها كعبادةٍ مقدَّسة ، فترى البعض ينصرفون عنها إلى عبادةٍ ما دون العبادة لله وحده، ينصرفون نحو عبادةِ الأحجار والأشجار والبحار والكواكب وما شابه التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع ولا تضرُّ ولا تنفع )وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِسُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون“يونس آية – 18” معللين ذلك بأنها هي التي تشفعُ لهم عند الله.

    يعبدون أشياءَ لا تضرُّ ولا تنفع رغم توالي الأنبياء وإرسال الرسل الذين يُذكِّرون بحقيقة العبادة لله وتوضيح كلِّ زيفٍ باطلٍ مع أخذ العهود والمواثيق )وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ( ” النحل آية – 36″ لهذا لا بدَّ من الإدراك أنَّ العبادة
والخضوع لا تكون إلا لله وحده بارئ الكون المتفرد بتدبيره ، الذي بيده النفع والضرُّ والبسط والقبض والموت والحياة وكلُّ ما في الكون خاضع لحكمه، وهذا هو منطق الفطرة التي لا ارتياب فيها ولا تشكيك.

    نعم عندما تتحول كلُّ أفعال الإنسن وما حققه من منافع دنيوية قاصدًا به رضا الله يكون كشاعل المصباح الذي يستنير به كلُّ إنسان لهداية الطريق، فالفكر الإنساني الواعي هو أول جهاز يتقبل هذا المفهوم العقائدي وأوله العبادة الخالصة لله، فكلَّما أخلص الإنسان نيَّته لله كان أصلب في الإيمان وأعمق في جذوره، كما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) “أفضل العبادة إدمان التفكر في الله وقدرته” فمن زرع زرعًا أو غرس غرسًا فأكل منه إنسان أو دابة كان ذلك الفعل له صدقة، أو كالذي قال كلمة طيبة في أمَّةٍ فكانت له تلك الكلمة صدقة له إلىيوم القيامة.

    فحقيقة العبادة هي كمال المهانة مع كمال المحبة لله عزَّ وجلَّ ، وهي أقصى غاية الخضوع والانقياد والاستسلام والتواضع والخوف والخشية والإنابة والرجاء والإذعان لله . العبادة هي الانقياد النفسي بالتمسك بأحكام الله تعالى وبصورتها ومظهرها الوجداني ، ولا  يقتصر هذا المفهوم على بعض الطاعات والأفعال والفرائض فحسب، وإنَّما على كلِّ الأعمال والأفعال التي يقوم بها العبد ظاهريًا وباطنيًا ، كما لا يخرج عن مفهومها أيُّ أحدٍ من الخلق لقوله تعالى: )إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً(” مريم الآية – 93″.

    أخي المسلم فتحيَّن الفرص فالآجال مقبوضة والأيام معدودة وقد عبّر عنها مولانا الإمام الصادق (عليه السلام) “إنكم في آجال مقبوضة، وأيام معدودة، والموت يأتي بغتة، من يزرع خيرًا يحصد غبطة، ومن يزرع شرًّا يحصد ندامة” وقول الحقِّ تبارك وتعالي: )وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُوَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً ( “الأحزاب آية – 36”.

     فالإنسان إذا أراد قوة الإيمان والتوفيق للتمسك به ، فما عليه إلا الإخلاص في العبادة وتوحيد الله وإتّباع أوامره، وكما يُمدُّ الله العبد بالرزق يَمدَّه بقوَّة الإيمان وبقوَّة العبادة التي تبدأ بِمَعرفته سبحانه وتمرُّ بِطاعَتِهِ وتنتهي بِرحمته ، كما في الحديث النبوي الشريف: “حقُّ الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا” أي بمعنى أن تعرفه حقَّ المعرفة فتطيعه وتسعدُ بقربه ولا تُشرك به ، بهذا المفهوم يريد الله العبد بقوَّة العبادة الشاملة والخالصةوبالرؤية الواضحة ، والشكر له والثناء عليه.

    كما ويريد الله أنْ يكون العبد كامل التأثير على كلِّ شيء من مناحي الحياة  من مصالح الناس وحسن العلاقات معهم، كذلك من هذا التأثير الإدراك والنظر إلى درجة اليقين عنده من جلب المحبَّة وقيمتها بمقدار حبِّه لأولياء الله الصالحين الذين هم الذخيرة المدَّخرة من قبل الله وهم محمد (صلى الله عليه وآله) ومحبَّة أوليائه المنصوص عليهم من قبل الله وهم علي وأولاده
الطاهرين (سلام الله عليهم أجمعين) حيث لا تستقرُّ العبودية في حياة العبد حتى تصحِّح كلَّ التصورات والمشاعر على هذا الإقرار والاعتراف ، لا تستقرُّ العبودية لله إلا على أساسٍ سليم وقويم من معرفة الرسول وآله الأطهار وما يتبعها من آثار وإقرار من ناحية التولي والتبري ، لقوله (صلى الله عليه وآله)
“أنا أجير فكلُّ من لم يعطني أجري  فهو محروم من رحمة الله والأنبياء والملائكة ، وأجري محبة أهل بيتي”)قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى( “الشورى آية – 23” فعندما تستقرُّ هذه الحقيقة بكلِّ جوانبها في نفس الإنسان وفي حياته وملتزمًا بمنهجها وشريعتها ، ومستشعرًا قوة متنها بتعلق القلب وبالنظرة لله وحده ، عندما تستقرُّ حقيقة العبودية بنظامها وانضباطها يخرُّ العبد لله راكعًا ساجدًا شاكرًا على إتمام هذه النعمة ، عندما تستقرُّ حقيقة العبودية لله تصلح الحياة وتترقى وتكرَّم النفس على أساسها وسلوك مبادئها.

    كما لا يخفى أن صقل الرُّوح بالعبادة هو السبيل الأوحد للانتصار على هوى النَّفس وعلى كلِّ  الأباطيل التي تحيط بها وتتحيَّنُ الفرص للانقضاض عليها . صقل الرُّوح بالعبادة هو الرجوع للمنهج الصحيح ووضعها على سكتها السليمة )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ(” الحشر آية – 18 و19″  صقل الرُّوح بالعبادة هو التدبُّر فيما قدَّمه الإنسان من أعمال تحسبًا ليوم الحساب من خلالشرعة الله ومقررات منهاجه امتثالًا لما أمر وترك ما نهى عنه.

    ختامًا نجدِّدُ العهدَ لمن وهبنا الحياة وصحَّة العقل لنعبده عبادة خالصة له دون سواه، وأنْ يُحبِّبَ لنا دينه وأنْ يجعلنا ممن يسايرون الحقَّ فيتبعونه، وأنْ يُبعدَ الفسوقَ والعصيانَ عن نواظرنا، وأنْ يهدينا وإيِّاكم ويهدي الصالحين في أمَّتِنا للمُثل العُليا وسواء السبيل والتوفيق للعمل الصالح ، اللهمَّ بعزَّتك وأسمائك الحسنى وصفاتك العُليا اجعل لنا من ذكرك وشكرك وحسن عبادتك أوفرَ الحظّ والنصيب، حتى تَتَوفانا وأنت راضٍ عنَّا، وآخر دعوانا أنْ الحمد لله ربِّ العالمين، وصلِّاللهمَّ وبارك على نبينا وعلى آله الطاهرين وصحبه الميامين.

مشاركة الموضوع