جهاد النفس

جهاد النفس

بقلم: السيد كاظم الموسوي

31/12/2015

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا وإمامنا وسيدنا الرسول الأمين محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه الميامين والتابعين لهم بإحسان إلى قيام يوم الدين.

إن الإنسان في هذا الوجود مسؤول عن أعماله وأفعاله وتصرفاته ، مسؤول أمام نفسه ومجتمعه، وهذه المسؤولية فُرضت عليه من قبل الله ليكون الخليفة والقائم في الأرض ، لهذا لا بدَّ لمن يحمل هذه المسؤولية التكليفية أن يتحلى بكامل الحكمة والعقل وحسن التصرف ، يجب أن تكون هذه المسؤولية بعيدة عن أي تبعية أو خضوع لأيِّ أحدٍ وإنما حسب ما جاءت بها الشريعة المقدسة.

ويعتبر جهاد النفس من أعظم مسؤوليات الإنسان في هذا الكون كما وصفه الرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) “المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه” ويلخص هذا الحديث أن الإنسان مسؤول أمام مجتمعه من ناحية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلا كيف يدعو للمعروف من ليس بفاعله وكيف ينهى عن منكرٍ من هو آتيه، أي بمعنى أن لا تكون أعمال الإنسان تبعًا لأهوائه وإنما حسب ما رسَّخته قواعد الحقِّ والخيرِ والعدلِ والإحسانِ في هذا الوجود )كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ( “آل عمران آية – 110”.

جهاد النفس بأن يكون الإنسان مسؤولًا أمام نفسه بالمحاسبة والترويض لها على طاعة الله ومخالفتها للهوى لقول الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) “الكيّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني” جهاد النفس هو الإساس بأن يزكي الإنسان نفسه من كلِّ دنسٍ ومن كلِّ رجسٍ ومعصيةٍ لأن الذنوبَ والآثام تدفع بالإنسان نحو خسران الدنيا والآخرة وهذا ما أشار إليه قول الله تبارك وتعالى: )قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا( “الشمس الآيتان- 9، 10” هذه هي طريق الخير للنفس وتطهيرها فمن زكَّاها وطهرها فقد فاز، ومن دسَّاها فقد أوقعها في الخسران وأولغها في المعاصي.

هكذا أراد الله للنفس أن تكون لها القوامة الشرعية بالخلافة في الأرض، هكذا بيّن لها طريق الخير وطريق الشَّر وفطرها على معرفة العمل الحسن والسير نحوه والعمل القبيح والابتعاد عنه ، فإن لم تتمكن من تحقيق ذلك البُعد تخبطت في أوحال هذه الحياة الفانية دون هداية ولا بيان، ذلك وقد أنزل الله إليها كتابًا مقدسًا كي يزكيها ويعلمها ويصوبها نحو الطريق الموصل للهداية والنعيم )إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً( “الإسراء آية – 9” قرآنًا يرشد النفس للحق وإلى أحسن الطرق والتبشير بما أمر والنهي عما نهى.

ومن وظائف جهاد النفس التفكر في عظمة الله وبدائع صنعه وما أودعه في كل جزء من أجزاء هذا الكون الواسع ومخلوقاته بما يعود بالنفع والفائدة على الإنسان ، لذا ينبغي على الإنسان أن يُخرج من نفسه كلُّ الأخلاق القبيحة والفاسدة، بمخالفة نفس الهوى ، لأن كلَّ ما في هذا الكون من أرضٍ وبحارٍ وأشجارٍ وأنهارٍ وغيرها كلُّها مسخَّرة له ، وهو المسؤول تجاهها فعليه عدم السعي إلى تدميرها جراء هوى النفس.

فطبيعي عندما يكتمل جهاد النفس في هذا المقام بالتوفيق تصبح النفس مسكنًا للعبادة ، ويصبح السلوك النفسي يسيرًا، عندما يكتمل جهاد النفس تتضح للإنسان طريق إنسانيته المستقيمة ، وتتفتح أمامه أبواب البركات، وتغلق أمامه أبواب العذاب ، فمن حاسب نفسه هانت عليه الأمور ، وعظمت الذنوب في عينه ، لأن الإيمان والعمل الصالح هما من مقومات جهاد النفس ومن أعظم الوسائل المنجية من العذاب الإلهي ، والاستقامة على دين الله وتقوى النفس من أهم الأسباب التي تنجي العبد في الدنيا والآخِرة ، ومنها رباط الجهاد الأكبر ، كما ورد عن أبي عبدالله الإمام جعفر الصادق (عليه السلام ) قوله أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) “بعث سرية فلما رجعوا، قال: مرحبًا بِقَومٍ قَضوا الجهاد الأصغر وبقي عليه الجهاد الأكبر ، فقِيل: يا رسول الله وما الجهَاد الأكبر؟ قال: جِهاد النفس”.

ومن معطيات جهاد النفس ثقافة حسن التعامل للأخذ بمناحي الحياة نحو الارتقاء الفكري والذي من مضامينه التلاقح وبكلِّ جلاء في السلوكيات الإنسانية من ناحية سلامة النفس من الغلِّ والحقد والحسد والضغائن والرذائل، ولا يتحقق ذلك إلا بسلامتها من تلك الآفات ، وهذا ما حرص عليه الإسلام حرصًا شديدًا على تأليف قلوب أبناء الأمة ، بحيث تشيع المحبَّة ، وترفرف رايات الألفة والمودة ، وتزول العداوات والشحناء والبغضاء والغلُّ والحسد والتقاطع ، وحتى تشيع الألفة والمودة بين المؤمنين لابدَّ من سلامة الصدور ، والقصد بسلامة الصدور طهارتها من الغلِّ والحقد والبغي والحسد والكبر، وحبِّ الدنيا والزعامة ، وغيرها من الآفات والشبهات والشهوات المهلكة.

إن سعادة القلب وسرور النفس وطيب العيش وصفاء الحياة ، غاية يسعى إليها عموم الناس ، وهدف ينشده الجميع ، هو أمل يرجو بلوغه كلُّ العقلاء ، فتراهم يعملون بكلِّ وسيلة ، ويتخذون كلَّ سببٍ ، ليصلوا به للغاية والهدف المنشود ، فمن أنار الله بصيرته ألهمه رشده ، وسلامة الصدر من الأحقاد، وبراءته من الضغائن ، وصيانته من الشحناء والكراهية من أعظم ما يدرك به المرء حظَّه من السعادة ، لينال نصيبه من النجاح ، وهذا ما عبَّر عنه أمير المؤمنين الإمام علي(عليه السلام) بقوله: “العقل غطاء ستير والفضل جمال ظاهر، فاستر خلل خلقك بفضلك، وقاتل هواك بعقلك، تسلم لك المودة وتظهر لك المحبة” فأين الإنسان من هذه الرتب العليا؟ التي لا يجد الخير إلا من خلال السيطرة على كلِّ زوايا وجوده وحسنه الوجداني وصولًا للقرب الإلهي.

ولكن ما نشهده وللأسف على أمر الواقع لا يتفق مع هذا الارتباط وكأن العلاقة البشرية مفصومة تمامًا فترى العقوق للوالدين ، وارتكاب الفواحش والمنكرات ، والسعي في النميمة ، وقذف المؤمنين وخاصة المحصنات المؤمنات ، والاستفزاز بالآخرين ، وإطلاق العنان للسان بالغيبة والكذب ، وكذلك ظهور الرياء بالأعمال ، وأكل الرِّبا في المعاملات المحرمة ، والغلول في الأموال العامة والخاصة ، وشرب الخمور والمسكرات ، وتعاطي المخدرات ، والغشّ في المعاملات ، وتأجيج نار الشهوة وغيرها من الذنوب والمعاصي والمحرمات والتي هي من أعظم الأسباب في هلاك الإنسان وسببًا في عذابه ، وفي هذا يقول الإمام الصادق (عليه السلام)“احذروا أهواءكم كما تحذرون أعداءكم، فليس بشيء أعدى للرجال من اتباع أهوائهم وحصائد ألسنتهم” فقوة إدراك الخير والشرِّ والتمييز بينهما ومعرفة أسباب الأمور منوطة بالتكليف وبقوة العقل والملكة اللتان تدعوان إلى اختيار الخير والمنافع واجتناب الشرّ الذي يدفعه الجهل والتخلف الفكري كما يقول الإمام الرضا (عليه السلام) “صديق كلّ أمرئ عقله، وعدوّه جهله”، جهاد النفس قوة عاصمة ودافعة نحو الخير والمكرمات، قوة تجعل مقتضى الإيمان في القلب وهو تأكيد قوله تعالى:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ( “التوبة آية – 119”.

فما أجدر بنا أن نفهم الإسلام على حقيقته وننادي به تشريعًا ونظامًا للارتقاء بالنفس عن هواها وربقة الشهوات واحتقار المظاهر الكاذبة والجاه المزيف، فمن جاهد نفسه هداه الله سبيل الرضا الموصل إلى جنّة الرضوان ، وهو ما أشار إليه أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) بالقول: وانما هي نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنه يوم الخوف الاكبر” هذا ما تسنى موجزًا توضيحه عن جهاد النفس، والله الهادي إلى سواء السبيل، ونسأله سبحانه أن يعصم أمتنا الإسلامية من موجبات الغضب وأسباب السخط ، وأن يرفع البلاء عنها ويوحد صفها ويكفيها شر أعداءها، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين محمد وعلى آله أمناء المتقين وصحبه المنتجبين أجمعين.

مشاركة الموضوع