12864547701
معرفة آلِ البيت (عليهم السلام) هي الطريق لمعرفة الله
بقلم: السيد كاظم الموسوي
30 مارس 2015
بسم الله وصلى الله على عبده الذي آتاه جوامع الكلم وفضله على جميع الأمم المبعوث رحمة للعالمين سيد الخلق أجمعين محمد خاتم النبيين وعلى أهل بيته من ذريته الطيبين الطاهرين الذين أوجب الله على عباده معرفتهم وطاعتهم وولايتهم وعلى التابعين من أصحابه المنتجبين، أما بعد:
لقد استفاضت الأحاديث والروايات الواردة عن أهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام) وتواترت ، وهذا مما لا يعتريه الشك ولا الريب عند أصحاب العقول المتبصرة والمنصفة في فهم كيفية أحاديثهم ورواياتهم وتطبيقها ، فعندما تُقرأ هذه الأحاديث والروايات على الإنسان المنصف وغير المنصف على السواء أن يدرسها دراسة معمقة ومفصلة كي يستوحي منها كل ما يُستجد في مسلك حياته وكي تنفتح عليه وعلى آفاقـه أينما حط ورحل ، يجب أن تقرأ على أنها أحاديث أزلية ومصيرية وليست أحاديث وروايات لزمن معين أو لحادثة معينة ، وإنما وردت لتحريك الواقع الإنساني برمته ومنذ اليوم الأول لنزول الرسالة الإسلامية وحتى قيام يوم الدين.
ومن ضمن هذه الأحاديث والروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) ما هي في كيفية معرفتهم وما خصصته الكثير من الأحاديث ، فقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله: “من مَنَّ الله عليه بمعرفة أهل بيتي وولايتهم فقد جمع الله له الخير كله” وقال )صلى الله عليه وآله وسلم(:” أما والله لا يحبّ أهل بيتي عبدٌ إلاّ أعطاه الله عزَّ وجل نوراً حتى يرد عليّ الحوض ، ولا يبغض أهل بيتي عبدٌ إلاّ احتجب الله عنه يوم القيامة” فما هو الوارد المأثور في مضمون هذه الأحاديث النبوية الشريفة؟ وكيف نفهم هذه المعرفة والمحبة بأهل البيت ومن أين يُحصل عليها؟.
طبيعي والإنسان يعيش على هذا الكوكب الأرضي وبفطرته الإنسانية يحتاج إلى منهل رائقٍ ونبعٍ دافقٍ يرتشف منه معالمه التعبدية ، ويحتاج إلى طريق سليم يوصله إلى معالي الكمال والسمو ، وإلى من يأخذه نحو من يعشق ويتعلق قلبه به وهو الله الخالق والمدبر، وهل يوجد أهلٌ لهذا المبدأ غير أهل البيت (عليهم السلام) الذين يمثلون أكبر مصاديق القرب إلى الله ، فلذلك يكون التعلق بأهل البيت والإرتباط بهم يمثل التجسيد للحب الإلهي ، وأن الإبتعاد عن هذا المبدأ يمثل الطرد من فيض الرحمة الإلهية ، فحب أهل البيت والتعلق بهم مبدأ وخط رسالي يتضمن الكثير من القيم ذات العلاقة والإرتباط العاطفي والإنساني ، حب أهل البيت (عليهم السلام) يعني المعرفة بهم والسلوك نحو الطريق الهادف المؤدي للقيم الإلهية لسمو الروح الإنسانية نحو المعرفة الربانية التي تريدها رسالة السماء.
فالمعرفة الإلهية والمعرفة الرسالية واجبتان على الإنسان المسلم ، ولكن هناك استكمال لهذه المعرفة ويجب معرفتها وهي الاعتقادات الحقة التي أمر الله بها الإنسان حسب التكليف الإسلامي ، فمن يعبد الله هو من عرف الله ، ومن يعرف الله هو من عرف رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن عرف رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعرف ذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله) ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران – 31) من هنا يظهر أن الوارد المأثور في مضمون الآية الشريفة والأحاديث المتقدمة هي المحبة والمعرفة لأهل البيت (عليهم السلام).
فالمعرفة لآلِ البيت والمحبة لهم يعني التمسك بالعروة الوثقى ، لقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لأمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام ) “يا علي من أحبكم وتمسك بكم فقد تمسك بالعروة الوثقى” وقوله: (صلى الله عليه وآله وسلم) “من أحب أن يتمسك بالعروة الوثقى ، فليتمسك بحب علي وأهل بيتي” فمعرفة آلِ البيت وحبهم إطمئنان للقلب وطهارة للنفس وهو قوله تبارك وتعالى ( ألا بِذكرِ اللهِ تَطمَئنُّ القُلوبُ) (الرعد – 28) وورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) في قوله: ” لا يحبنا عبدٌ ويتولانا حتى يطهر الله قلبه ، ولا يطهر الله قلب عبدٍ حتى يُسلم لنا ويكون سلماً لنا ، فإذا كان سلماً لنا سلمه الله من الحساب ، وآمنه من فزع يوم القيامة “.
المعرفة والولاية لآلِ البيت (عليهم السلام) واجبة على كل إنسان مسلم ، وأمر ثابت في القرآن الكريم لقوله تعالى: ( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) (الشورى – 23) ، وقد أكدته النصوص ومنها ما رواه ثقة الإسلام في الكافي – وفي الصحيح – عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أخبرني عن معرفة الإمام منكم واجبة على جميع الخلق؟ فقال: “إن الله تعالى بعث محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الناس أجمعين رسولاً وحجة لله على خلقه في أرضه ، فمن آمن بالله وبمحمدٍ (صلى الله عليه وآله وسلم) رسول الله واتبعه وصدقه ، فإن ‏معرفة الإمام منا واجبة عليه ، و من لم يؤمن بالله ورسوله ، ولم يتبعه ولم يصدقه ويعرف حقهما ، فكيف يجب عليه معرفة الإمام وهو لا يؤمن بالله ورسوله ويعرف حقهما ” (الحديث – 27).
فلا تتم هذه المعرفة والمحبة من خلال معرفة أسمائهم وألقابهم أو بحفظ أعمارهم الشريفة فحسب ، وإنما من خلال اليقين الإيماني العميق على أنهم مفترضي الطاعة وأنهم أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، ويجب أن تكون معرفة آلِ البيت (عليهم السلام) راسخة في العقيدة الإنسانية وطاعتهم مفروضة وبكل إسـتقـرارٍ ذاتي يعكس كل التصرفات والأعمال في سيرة الإنسان التعبدية والحياتية خالصة لله دون غيره ، كما ورد في دعاء الإمام الصادق (عليه السلام ) لزرارة: “اللهم عرفني نفسك، فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف رسولك، اللهم عرفني رسولك فإنك إن لم تعرفني رسولك لم أعرف حجتك، اللهم عرفني حجتك فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني” وهذا مما يدلل على أن معرفة آلِ البيت (عليهم السلام) هي معرفة الله والسبب المتصل بين الأرض والسماء ، وأنهم هم الحبل المتين المتصل والصراط المستقيم ولولاهم لما خلق الله الأفلاك.
وليس هناك أفصح ولا أوضح من استنطاق الأحاديث الواردة التي توضح معرفة آلِ البيت (عليهم السلام) فقد ورد في نهج البلاغة عن أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) قوله: “لا يقاس بآل محمد (صلى الله عليه وآله) من هذه الأمة أحد ، ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً ، هم أساس الدين وعماد اليقين إليهم يفيء الغالي وبهم يُلحق التالي، ولهم خصائص حق الولاية وفيهم الوصية والوراثة الآن إذا رجع الحق إلى أهله ونقل إلى منتقله” (خطبة – 2) وقال: (عليه السلام) “أَلا إن مثل آل محمد (صلى الله عليه وآله) كمثل نجوم السماء إذا خوى نجم طلع نجم فَكأَنكُم قد تكاملت من الله فيكم الصنائع وأراكم ما كنتم تأملون” (خطبة – 100).
فعندما تكون عبادة الإنسان المسلم خالية من معرفة آل بيت محمد (صلى الله عليه وعليهم) ومن حبهم تكون عبادة بمثابة الشجرة اليابسة الخالية من الأوراق والثمر ، نعم معرفة آلِ البيت (عليهم السلام) نيّرة وواضحة بنور الإسلام ، وجلية بجلاء المعنى القرآني ، معرفة انطلقت من الأمر القرآني وبوضوح مقاصده وغاياته (قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) ( الشورى – 23) وعلى نور هذا الأمر الرباني وجلاء أهدافه على الأمة لزوم الإمتثال والإذعان له ، فمعرفة أهل البيت (عليهم السلام) واضحة الدلائل ، فهي الدرع الواقي والحصانة التي تمنع الإنسان عن الوقوع في المهالك والمنزلقات ، معرفة لا تتحصل إلا بواسطة الفيض الإلهي الذي يمد الإنسانية كلًا حسب ما تستحق نتيجة تعلقها بهذه المعرفة الحقة.
وورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله: “معرفة آل محمد براءة من النار وحب آل محمد جواز على الصراط والولاية لآل محمد أمان من العذاب” ربما يقول قائل ما المعنى من الحديث حيث أن الله خلق الإنسان وخلق فطرته الطبيعية معه والتي هي ناموسه الحياتي حتى خروجه من دار الدنيا؟ نعم على هذا التساؤل يكون الجواب: لا شك أن العلاقة الفطرية الإنسانية علاقة قلبية مرتبطة بالحس العاطفي الإنساني ، فلا يمكن أن تكون الأحاديث الواردة عنهم جزافية ، وإنما هي من صميم الإعتقاد القلبي والعاطفي ، فمعرفة هذا الحب وهذه الولاية حصانة نفسانية ذاتية ، فالإنسان عندما يكون كامل الإنسانية وملتزمًا بشريعة الإسلام وبما جاء به رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) التزامًا كاملًا ومنصهرًا بها ، تراه حقًا يكون مجسدًا لهذه المعرفة دون ميلٍ ولا ضعة ، أي بمعنى أ، معرفة آلِ البيت (عليهم السلام) هو الباب الذي أمر الله عباده بالسلوك نحوه والولوج فيه ، هو الباب الذي يصل إلى معرفة الله ، كما ورد في الزيارة الجامعة “من والاكم فقد والى الله ، ومن عاداكم فقد عادى الله ، ومن أحبّكم فقد أحبّ الله – ومن أبغضكم فقد أبغض الله – ومن اعتصم بكم فقد اعتصم بالله ، أنتم الصّراط الأقوم ، وشهداء دار الفناء وشفعاء دار البقاء ، والرّحمة الموصولة والآية المخزونة ، والأمانة المحفوظة، والباب المبتلى به النّاس ، من أتاكم نجا ومن لم يأتكم هلك ، إلى الله تدعون وعليه تدلّون وبه تؤمنون وله تسلّمون وبأمره تعملون وإلى سبيله ترشدون وبقوله تحكمون“.
فلا يستقيم إسلام إنسان ولا يتم إلا من خلال معرفة آلِ البيت (عليهم السلام) فحبهم وولايتهم فيض رباني على النفس السامية التي استوعبت معرفتهم دون محاباة ، معرفة تجسد أعلى درجات التقوى في النفس الإنساني واليقين لتوقظ مشاعره وتعتلي به وتسمو بعقله وملكاته وإرادته ، معرفة آلِ البيت (عليهم السلام) ركنٌ من أركان الدين واليقين المعرفي وواجبة التتبع لها ، فالإنسان بهذه المعرفة لا ينحرف ولا يشذ ولا يهبط إلى مستوى البهيمية ولا الجماد الذي لا يعي شيء ، معرفة آلِ البيت (عليهم السلام) هي الضمانة والنجاة من الإنحراف ولا ريب أن مخالفة أوامرهم وجحود ولايتهم من الأسباب والدوافع التي تؤدي إلى فساد عقيدة الإنسان وضلاله عن الدين ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً) ( الأحزاب – 36 ) فمعرفة آل البيت هي معرفة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) التي هي الامتداد الحقيقي والطبيعي للرسالة المحمدية والطريق الواصل إلى الله والتي بهم يعرف الحق من الباطل.
فعندما تكون حقائق الإنسان التعبدية مبنية على هذه المعرفة الحقة والتعظيم لها يكون في غاية المنى والأمل وفي منتهى السعادة والكمال ، أما إذا لم يهتدي إلى هذا الصراط المستقيم وإلى عظمة قدسيته بسبب غرور الدنيا بأباطيلها ، فسوف يضل عنه ويتيه في متاهات أهل الضلال والبغي ويتخبط في عمياء الظلام فلا يهتدي للحق سبيلًا ، فالعلاقة والارتباط بآلِ البيت (عليهم السلام) هي الولاء لهم والإقتداء بهم والسير على خطهم ونهجهم ، هذا ما كان في زمانهم ووجودهم ، أما في حال الغيبة فكيف يتم تجسيد ذلك؟ طبعًا من المسَّلم به وقبل وقت الغيبة أن الإمام الثاني عشر (المهدي ابن الحسن) (عجل الله فرجه الشريف) قد أمر الأمة بالسير خلف مراجع الدين العدول وبأخذ الأحكام منهم ، لقول الإمام العسكري (عليه السلام): ” فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفًا على هواه ، مطيعًا لأمر مولاه ، فللعوام أن يقلدوه” لأن الولاية والاقتداء والطاعة حـق مشروط في شؤون التعبد بالأحكام الشرعية ، والطاعة تستدعي الكفاءة للشخص المطاع في عدالته الذي لا تغلبه الأهواء ولا تنعطف به النزوات النفسية ، وبذلك يتضح أن إتباع الفقهاء ومراجع الدين العظام هو ذاته إتباع لأهل البيت (عليهم السلام) والسير على نهجهم فنكون بذلك من العارفين لهم والمحبين لهم والسائرين على ولايتهم فنستحق بذلك ورضوان الله.
معرفة آلِ البيت امتداد لمعرفة الله والتي هي أساس الدين فمن أراد الصراط المستقيم ولا يكون من أهل المغضوب عليهم ولا الضالين فعليه بمعرفتهم ، فعن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية ، فعدم معرفتهم ينتج عنه الضلال والتيه والجاهلية بكل معانيها من بؤس وانحلال ، وبما أننا مسؤولون عن ولايتهم (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُون) (الصافات – 24) فالعقل يوجب معرفتهم وبما أنهم ضحوا بالغالي والنفيس من أجل الدين ، فعلى الإنسان جراء هذه التضحية شكرهم وهذا لا يتحقق إلا بمعرفتهم (عليهم السلام) لذا فأول تكليف على الإنسان تجاههم التعرف عليهم والاقتداء بهم والمعرفة على قدر العقول ، وأقلها أن تعرفهم من خلال أحاديثهم ورواياتهم التي تنزههم عن الربوبية وتعطيهم المقامات التي لم يصل إليها أي مخلوق قط ، وهذا ما ثبت من خلال الزيارات التي وردت عنهم والكفيلة بذلك.
الحمد لله الذي وفقنا لهذه المعرفة ، والتي من خلالها تتم معرفة دين الله فهم القرآن الناطق علينا، وله الشكر على التمسك بهذه المعرفة الحقة واتباع سلوكهم واسلوبهم في مسلك حياتنا وجعل معرفتهم منهاجًا وصراطًا للنجاح دنيا وآخرة.

مشاركة الموضوع